صديق الحسيني القنوجي البخاري
76
فتح البيان في مقاصد القرآن
« خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق » « 1 » أخرجه الترمذي واستغربه . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 38 ] وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً ( 38 ) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ عطف على قوله : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ووجه ذلك أن الأولين قد فرطوا بالبخل وبأمر الناس به وبكتم ما آتاهم اللّه من فضله ، وهؤلاء أفرطوا ببذل أموالهم في غير مواضعها لمجرد الرياء والسمعة ، وليقال ما أسخاهم وما أجودهم كما يفعله من يريد أن يتسامع الناس بأنه كريم ، ويتطاول على غيره بذلك ويشمخ بأنفه عليه ، مع ما ضم إلى هذا الانفاق الذي يعود عليه بالضرر من عدم الإيمان باللّه واليوم الآخر أي لا يصدقون بتوحيد اللّه ولا بالمعاد الذي فيه جزاء الأعمال أنه كائن . وكررت لا وكذلك الباء إشعارا بأن الإيمان بكل منهما منتف على حد ، قيل نزلت في اليهود ، وقيل في المنافقين ، وقيل في مشركي مكة . وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً في الكلام اضمار والتقدير ولا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر فقرينهم الشيطان ، ومن يكن الخ ، والقرين المقارن وهو الصاحب والخليل فعيل بمعنى مفاعل كالخليط والجليس ، والقرين الحبل لأنه يقرن به بين البعيرين ، والمعنى من قبل من الشيطان في الدنيا فقد قارنه فيها أو فهو قرينه في النار فَساءَ الشيطان قَرِيناً وبئس الصاحب وبئس الخليل هو . وفيه تقريع لهم على طاعة الشيطان ، وقيل هذا في الآخرة يجعل اللّه الشياطين قرناءهم في النار يقرن مع كل كافر شيطان في سلسلة من النار ، والأول أولى وألصق بظاهر الآية . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 39 إلى 42 ] وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً ( 39 ) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ( 40 ) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ( 41 ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ( 42 ) وَما ذا عَلَيْهِمْ أي على هذه الطوائف لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ابتغاء لوجهه وامتثالا لأمره ، أي وماذا يكون عليهم من ضرر ووبال لو فعلوا ذلك وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً فيه وعيد لهم وتهديد وتوبيخ على الجهل بمكان المنفعة .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في البر باب 41 .